الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
288
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قد تشنّأت إلى ذوي الألباب ، وأزمع الترحال منها عباد اللّه الأخيار وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند اللّه لا يفنى ( 1 ) . ونظير كلامه عليه السّلام كلام ابنه الحسين عليه السّلام في خطبته أصحابه بذي حسم ، حين وصل الحر مع ألف فارس من قبل ابن زياد إليه ، ففي ( الطبري ) ( 2 ) : قام عليه السّلام فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال لأصحابه : إنهّ قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت ، وأدبر معروفها واستمرّت حذاء فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به ، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّا ، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة ، ولا الحياة مع الظالمين إلّا بر ما . فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه : تكلمون أم أتكلّم قالوا : بل تتكلم . فقال له : قد سمعنا يا بن رسول اللّه مقالتك ، واللّه لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلدين إلا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك ، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها . فدعا له الحسين عليه السّلام ، وأقبل الحر يسايره وهو يقول له : يا حسين إنّي اذكّرك اللّه في نفسك ، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن . فقال عليه السّلام له : أفبالموت تخوّفني وهل يعدو بكم الخطب إلّا أن تقتلوني أقول لك ما قال أخو الأوس لابن عمه - لما لقيه وهو يريد نصرة النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وقال له أين تذهب فإنّك مقتول - : سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا يغش ويرغما « ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم وهم » هكذا في ( المصرية ) ( 3 ) والكلمة
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 392 سنة 64 . ( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 403 . ( 3 ) الطبعة المصرية : 130 الخطبة 180 .